ابن عجيبة

269

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ؛ عبارة عما منعت منه شريعتهم ، كتحريم الشحوم ، وتحريم العمل يوم السبت ، وشبه ذلك . فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ أي : منعوه وحفظوه من عدوه ، حتى لا يقوى عليه ، أو عظموه بالتقوية حتى انتصر ، وأصله : المنع ، ومنه التعزير ، وَنَصَرُوهُ حتى أظهروا دينه في حياته وبعد مماته ، وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ وهو القرآن ، وإنما سماه نورا ؛ لأنه بإعجازه ظاهر أمره ومظهر غيره ، أو لأنه كاشف للحقائق مظهر لها . أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بالرحمة الأبدية ، وهذا آخر جواب سيدنا موسى عليه السّلام . الإشارة : قوله تعالى وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ، قال القشيري : لم يعلّقها بالمشيئة - يعنى : كما قال في العذاب - لأنها نفس المشيئة ، ولأنها قديمة ، والإرادة لا تتعلق بالقديم ، فلمّا كان العذاب من صفات الفعل علّقه بالمشيئة ، بعكس الرحمة لأنها من صفات الذات . ويقال في قوله تعالى : وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ : مجال لآمال العصاة ؛ لأنهم ، وإن لم يكونوا من جملة المطيعين العابدين والعارفين ، فهم « شئ » . ه . قلت : وبهذا العموم تشبث إبليس في قضية له مع سهل ، وذلك أنه لما تراءى له ، ضحك ، فقال له : كيف تضحك وقد أبلست من رحمة اللّه ؟ فقال له : قال تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وأنا شئ ، فسكت سهل ، ثم تذكر تمام الآية ، فقال : قال تعالى : فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ، فهي مقيدة لا مطلقة ، فقال له : التقوى فعل العبد ، والرحمة صفة الرب ، ولا يتغير وصف الحق بفعل العبد ، فعجز سهل . قلت : والجواب : أن إبليس جاء من جهة الفرق ، ولو نظر للجمع لوجد الرحمة وصفه ، والتقوى فعله ، وفعله يغير وصفه ، والكل منه وإليه . واللّه تعالى أعلم . وقال الورتجبي : جميع الخلائق مستغرقون في بحر الرحمة ، لأن إيجاد الحق إياهم ، على أي وصف كانوا ، عين رحمته ، حيث دخلوا تحت نظره وسلطانه وربوبيته ، ومباشرة قدرته فيهم ، ثم إن الخلق بالتفاوت في الرحمة فالجمادات مستغرقة في نور فعله ، وهي الرحمة الفعلية ، والحيوانات مستغرقة في نور صفاته ، وهي الرحمة الصفاتية ، والعقلاء من الجن والإنس والملائكة مستغرقون في نور ذاته ، وهي الرحمة القديمة الذاتية من جهة تعريفهم ربوبيته ووحدانيته ، وهم من جهة الأجسام وما يجرى عليها ، في الرحمة العامة ، ومن جهة الأرواح وما يجرى عليها ، في الرحمة الخاصة ، وهم فيها بالتفاوت ، فبعضهم في رؤية العظمة ذابوا ، وبعضهم في رؤية القدم والبقاء تاهوا ، وبعضهم في رؤية الجلال والجمال عشقوا وطاشوا ، ومن خرج من مقام الرحمة إلى أصل الصفة ، ومن الصفة إلى أصل الذات استغرق في الراحم ، وفنى عن الرحمة ، فصار رحمة للعالمين ، وهذا وصف نبينا - عليه الصلاة والسلام - ، لأنه وصل بالكل إلى الكل ، فوصفه برحمة الكل بقوله : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ « 1 » ، ثم خص رحمته الخاصة الصفاتية ، بعد أن عم الكل برحمته العامة للمنفردين بالله عن غير اللّه ، القانتين بعظمته في عظمة الذين بذلوا وجوههم لحق ربوبيته عليهم بقوله : فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ . . . . ه .

--> ( 1 ) الآية 107 من سورة الأنبياء .